دمية تشرب من زجاجة الحليب، ثم تبلل حفاضها، وتأتي معها ملابس وحفاضات وأدوات صغيرة للعناية بها. كانت Betsy Wetsy واحدة من أشهر دمى الأطفال في الولايات المتحدة خلال منتصف القرن العشرين، لكن الإعلان الذي بين أيدينا يحكي قصة تتجاوز اللعبة نفسها. فمن خلال عبارة “It’s fun to mother Betsy Wetsy” نرى كيف تحولت محاكاة رعاية الطفل إلى تجربة لعب متكاملة، وكيف كانت ألعاب البنات وإعلاناتها تعكس في الوقت نفسه صورة الأمومة والأدوار الاجتماعية السائدة في زمنها.
محتوى المقال
Betsy Wetsy… عندما أصبحت رعاية الدمية جزءًا من اللعب
هناك ألعاب قديمة نتذكرها بسبب شكلها.
وألعاب أخرى تستحق أن نتوقف أمامها بسبب الفكرة التي كانت تحملها.
في هذا الإعلان القديم نرى طفلة تحمل دمية صغيرة بين ذراعيها وتطعمها بزجاجة الحليب.
حولها فساتين صغيرة.
حفاضات.
دبابيس.
جوارب.
وعدد من الأشياء التي تجعل اللعبة تبدو أقرب إلى تجهيزات طفل حقيقي.
وفي أعلى الإعلان عبارة تقول:
It’s fun to mother Betsy Wetsy
بمعنى قريب من:
«من الممتع أن تقومي بدور الأم مع Betsy Wetsy.»
لم تكن الفكرة إذن مجرد:
هذه دمية يمكنكِ اللعب بها.
بل:
هذه طفلة صغيرة يمكنكِ الاعتناء بها.
ومن هنا تبدأ حكاية واحدة من أشهر دمى الأطفال في القرن العشرين.
1. ما هي Betsy Wetsy؟
كانت Betsy Wetsy دمية أطفال من إنتاج شركة Ideal الأمريكية، واشتهرت بفكرة أصبحت فيما بعد نوعًا معروفًا من دمى الأطفال:
Drink-and-wet doll
أي دمية يمكن إطعامها السوائل من زجاجة صغيرة، ثم يمر السائل عبر جسمها لتبدو وكأنها بللت حفاضها.
كان الهدف بسيطًا لكنه ذكي بالنسبة للعبة في زمنها:
ألا تظل الدمية شيئًا ساكنًا فقط.
بل أن تستجيب لما تفعله الطفلة معها.
وهنا أصبحت اللعبة أقرب إلى محاكاة صغيرة لرعاية طفل.
أطعميها.
انتظري.
ثم غيّري حفاضها.
2. الاسم نفسه يخبركِ بما تفعله الدمية
حتى اسمها كان جزءًا من الفكرة التسويقية.
Betsy Wetsy.
كلمة Wetsy مرتبطة مباشرة بالميزة التي اشتهرت بها الدمية.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن اسم Betsy نفسه ارتبط بابنة Abraham Katz، أحد المسؤولين البارزين في Ideal.
وبذلك أصبح الاسم لطيفًا وسهل التذكر، وفي الوقت نفسه يلمّح إلى أكثر ما يميز اللعبة.
3. لم تكن الدمية وحدها هي اللعبة
وهذه واحدة من أجمل التفاصيل في الإعلان الموجود أمامنا.
انظري إلى كل الأشياء المحيطة بها.
فستان.
قميص.
حفاضات.
زجاجة.
حلمة للزجاجة.
دبابيس أمان.
جوارب.
حذاء صغير.
وإكسسوارات أخرى للعناية بها.
كما يعرض الإعلان نسخًا مختلفة من Betsy Wetsy، بعضها يأتي مع مجموعة أكبر من الملابس والتجهيزات، وبعضها داخل حقيبة أو صندوق يحمل الدمية وأغراضها.
وهنا تصبح اللعبة أكبر من الدمية نفسها.
إنها منظومة كاملة للعب التخيلي.
فالطفلة لا تحمل الدمية فقط.
يمكنها إطعامها.
وتغيير ملابسها.
وترتيب أغراضها.
وتغيير حفاضها.
ووضعها للنوم.
ثم البدء من جديد.
4. لماذا كانت هذه الفكرة جذابة؟
الأطفال بطبيعتهم يقلدون كثيرًا مما يرونه حولهم.
يتظاهر الطفل بأنه يطبخ.
أو يتحدث في الهاتف.
أو يذهب إلى العمل.
أو يقود سيارة.
أو يعتني بطفل.
وهذا النوع من اللعب التخيلي ليس غريبًا على الطفولة.
لكن Betsy Wetsy أضافت شيئًا مختلفًا:
استجابة جسدية بسيطة تجعل التمثيل أكثر واقعية.
فالطفلة تعطي الدمية الزجاجة، ثم يحدث شيء نتيجة لذلك.
وهذه العلاقة بين الفعل والنتيجة تجعل اللعبة أكثر تفاعلية من دمية لا تفعل شيئًا.
5. «تشرب… تنام… تبكي…»
الإعلان نفسه يحاول تقديم Betsy وكأنها طفل حقيقي مصغر.
النص يصفها بأنها تشرب وتنام وتبكي وتبلل حفاضها.
كما يبرز ملمسها وملابسها وتجهيزاتها.
وهذه اللغة مهمة.
فالشركة لا تبيع قطعة بلاستيكية أو مطاطية.
إنها تبيع تجربة محاكاة.
كلما اقتربت الدمية في سلوكها وشكلها من الطفل الحقيقي، أصبحت اللعبة — في الرسالة الإعلانية — أكثر إقناعًا.
وهذه الفكرة استمرت بعد ذلك في صناعة الدمى لعقود.
فبدأنا نرى دمى تبكي.
وتتكلم.
وتأكل.
وتنام.
وتحبو.
وتمشي.
وتستجيب للصوت.
ويشير The Strong National Museum of Play إلى أن صانعي الدمى خلال القرن العشرين سعوا باستمرار إلى جعل دمى الأطفال تبدو وتتصرف بصورة أقرب إلى الأطفال الحقيقيين، وأن تطور البلاستيك والفينيل في الخمسينيات أتاح وظائف أكثر تعقيدًا.
6. ولكن الإعلان لا يبيع الواقعية فقط
هنا تبدأ القراءة الأكثر إثارة.
فالعنوان لا يقول:
It’s fun to play with Betsy Wetsy.
أي:
«من الممتع اللعب مع Betsy Wetsy.»
بل يستخدم تحديدًا:
It’s fun to mother Betsy Wetsy.
الكلمة المحورية هنا هي:
mother.
أي ممارسة دور الأم.
وبذلك لم يكن الإعلان يربط الدمية باللعب فقط.
بل ربط اللعب نفسه بالأمومة والرعاية.
7. لماذا كانت الطفلة هي المستهدفة؟
الصورة لا تحتاج إلى كثير من التفسير.
طفلة صغيرة تحمل «طفلتها».
وهذه الرسالة كانت جزءًا من ثقافة إعلانية أوسع ربطت كثيرًا من ألعاب البنات في فترات من القرن العشرين بالرعاية والمنزل والأمومة.
وهنا يجب أن نفرق بين شيئين.
أن تستمتع طفلة برعاية دمية هو نوع طبيعي تمامًا من اللعب التخيلي.
لكن الإعلان يضيف إلى ذلك طبقة أخرى:
كيف اختارت الشركة أن تسوّق هذا اللعب، ولمن اختارت أن توجهه؟
وهذه النقطة هي التي تجعل الإعلان وثيقة اجتماعية مثيرة للاهتمام، وليس مجرد صفحة قديمة لبيع لعبة.
8. هل كانت الدمية «تعلّم الفتاة أن تصبح أمًا»؟
من السهل جدًا أن ننظر إلى الإعلان اليوم ونصل مباشرة إلى هذا الاستنتاج.
لكن الأفضل تاريخيًا أن نكون أكثر دقة.
لا نستطيع من إعلان واحد أن نقول إن كل طفلة كانت تلعب بالدمية استعدادًا للأمومة.
ولا نستطيع أن نفترض أن الأطفال فهموا اللعبة بالطريقة نفسها التي أراد الإعلان تقديمها.
ما نستطيع قوله بثقة أكبر هو:
الإعلان نفسه اختار تقديم رعاية الدمية بوصفها محاكاة للأمومة.
وهذا فرق مهم.
فالطفل قد يستخدم اللعبة بالطريقة التي يريدها.
أما الإعلان فيخبرنا بالطريقة التي أرادت الشركة أن تجعل المنتج جذابًا بها.
9. حقيبة صغيرة لحياة كاملة
في الجزء السفلي من الإعلان تظهر نسخة من الدمية داخل حقيبة مليئة بأغراضها.
وهذه تفصيلة أحبها جدًا في ألعاب تلك الفترة.
فالحقيبة ليست مجرد عبوة.
بعد فتحها، تصبح جزءًا من عالم اللعب.
الدمية هنا.
ملابسها هناك.
حفاضاتها.
زجاجتها.
أدواتها الصغيرة.
كأن الطفلة أصبحت مسؤولة عن عالم مصغر كامل.
والفكرة ما زالت موجودة في الألعاب الحديثة.
نحن لا نشتري الشخصية فقط.
بل نشتري عالمها:
البيت.
السيارة.
الملابس.
الأدوات.
الإكسسوارات.
والقصص التي يمكن بناؤها حولها.
10. اللعبة كانت تتطور مع تطور المواد
تحتفظ مجموعة The Strong National Museum of Play بنموذج Betsy Wetsy مؤرخ إلى عام 1948 ومصنوع من مواد من بينها المطاط والبلاستيك والنسيج.
وهذه نقطة مهمة في تاريخ الدمى.
فكلما تطورت المواد المستخدمة في الصناعة، استطاع المصنعون إنتاج أجسام أكثر مرونة ومقاومة، وإضافة وظائف تجعل الدمية أقرب في الحركة والملمس إلى الطفل الذي تحاكيه.
وبحلول الخمسينيات، ساعد انتشار البلاستيك والفينيل في توسيع الإمكانات المتاحة لصانعي دمى الأطفال.
أي أن تاريخ اللعبة يرتبط أيضًا بتاريخ المواد والتصنيع.
11. ولم تكن Betsy Wetsy مجرد لعبة عابرة
استمرت الدمية في السوق لعقود، وأصبحت من المنتجات المعروفة لشركة Ideal، وارتبطت خصوصًا بطفولة أجيال في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وهذا مهم.
لأن اللعبة التي تبقى سنوات طويلة لا تعكس فقط فكرة ناجحة تجاريًا.
بل تصبح جزءًا من ذاكرة جيل.
قد يراها شخص اليوم في صورة قديمة فيتذكر عيد ميلاد.
أو هدية عيد ميلاد أو عيد الميلاد.
أو لعبة كانت تملكها أخته.
أو إعلانًا كان يراه في مجلة.
وهنا تتحول اللعبة من منتج إلى ذاكرة شخصية.
12. الدمية الصغيرة والإعلان الكبير
من السهل أن ننظر إلى الصفحة ونقول:
إنها مجرد دمية قديمة.
لكن الإعلان يخبرنا عن أشياء أكثر بكثير.
عن شكل ألعاب الأطفال.
عن تطور صناعة الدمى.
عن الملابس والألوان والتصميم الجرافيكي.
عن فكرة اللعب التخيلي.
عن الطريقة التي كانت بها الشركات تخاطب الفتيات.
وعن ارتباط الرعاية والأمومة بصورة الطفلة في الإعلانات.
وهذا هو السبب الذي يجعل الإعلانات القديمة مهمة.
فالمنتج قد يختفي… لكن الرسالة المحيطة به تبقى.
13. ماذا تغير اليوم؟
ما زالت دمى الأطفال موجودة.
وما زال الأطفال يحبون إطعام الدمى وتغيير ملابسها ووضعها في عربات صغيرة.
لكن الطريقة التي نفكر بها في اللعب أصبحت أوسع.
فالرعاية ليست مهارة تخص البنات وحدهن.
واللعب بدمية طفل يمكن أن يساعد أي طفل على ممارسة الخيال والرعاية والتعاطف وتحمل المسؤولية بصورة بسيطة داخل عالم اللعب.
ولهذا يمكننا اليوم أن نفصل بين شيئين:
قيمة اللعب بالرعاية نفسها،
وبين:
الفكرة القديمة التي حصرتها إعلانيًا في دور أنثوي محدد.
وهذا أحد أجمل الأشياء التي تمنحنا إياها العودة إلى الماضي:
أن نرى ما يمكن الاحتفاظ به…
وما يمكن إعادة التفكير فيه.
14. اللعبة التي كانت تقلّد الحياة
ربما كانت عبقرية Betsy Wetsy في شيء بسيط جدًا.
لم تطلب من الطفلة أن تتخيل كل شيء.
لقد أعطتها اللعبة استجابة.
تعطينها الزجاجة.
ثم تحتاج إلى تغيير الحفاض.
فأصبحت هناك بداية ونتيجة وقصة.
واليوم، في عالم الألعاب الإلكترونية والتفاعلية شديدة التعقيد، قد تبدو هذه الآلية شديدة البساطة.
لكن في زمنها، كانت خطوة تجعل الدمية أكثر قربًا من تجربة الطفل الحقيقي.
وهذا يذكرنا بشيء:
ما نعتبره اليوم لعبة بسيطة… ربما كان يومًا ابتكارًا مدهشًا.
وفي النهاية…
ربما لا تكون قصة Betsy Wetsy قصة دمية فقط.
إنها قصة عن الطريقة التي تحاول بها الألعاب تقليد العالم الحقيقي.
وعن الطريقة التي يتعلم بها الأطفال من خلال التقليد والتخيل.
وفي الوقت نفسه، هي قصة عن الإعلانات؛ وكيف يمكن لعبارة صغيرة مثل:
“It’s fun to mother Betsy Wetsy”
أن تحفظ داخلها جانبًا من أفكار الزمن الذي كُتبت فيه.
اليوم يمكننا أن ننظر إلى الدمية فنرى لعبة تساعد على الخيال والرعاية.
وننظر إلى الإعلان نفسه فنرى شيئًا آخر:
صورة تاريخية للطريقة التي كانت بها الرعاية والأمومة تُقدَّمان للفتيات الصغيرات.
وهذا ما يجعل الإعلان القديم أكثر من ورقة لبيع لعبة.
فالألعاب التي أعطيناها للأطفال لم تكن دائمًا أشياء لتمضية الوقت فقط…
أحيانًا كانت عوالم صغيرة يتدرّبون داخلها على الحياة كما تخيلها الكبار من حولهم.
وهنا تصبح Betsy Wetsy أكثر من دمية تشرب وتبلل حفاضها.
تصبح قطعة صغيرة من ذاكرة الأيام.
نصيحة خبيرة
«عندما تنظرين إلى لعبة قديمة، لا تسألي فقط: بماذا كان الأطفال يلعبون؟ اسألي أيضًا: كيف كان الكبار يقدمون لهم هذه اللعبة؟ وما الدور أو العالم الذي دعوهم إلى تخيله من خلالها؟ فأحيانًا تكشف طريقة تسويق اللعبة عن زمنها بقدر ما تكشفه اللعبة نفسها. من ذاكرة الأيام ᥫ᭡ رنا الجوجري»
الخلاصة
كانت Betsy Wetsy واحدة من أشهر دمى الأطفال التفاعلية في منتصف القرن العشرين، واشتهرت بقدرتها على شرب السوائل من زجاجة ثم تبليل حفاضها، ما جعل رعايتها جزءًا من تجربة اللعب. لكن الإعلان يكشف جانبًا آخر من قصتها؛ إذ استخدم عبارة “It’s fun to mother Betsy Wetsy” ليقدم اللعب بالدمية بوصفه محاكاة للأمومة. ومن خلال الدمية وملابسها وحفاضاتها وإكسسواراتها وطريقة تقديمها للفتيات، نستطيع قراءة جانب من تاريخ صناعة الألعاب، واللعب التخيلي، والصورة التي كانت الإعلانات ترسمها للرعاية ودور الفتاة في ذلك الزمن.